الأحد، 9 مارس 2014

اقتصاد الجماعة – بمحبّة - 2- الإنقلاب ضدَّ الأغنياء





اقتصاد الجماعة – بمحبّة

2 – الإنقلاب ضد الغنى


                                           لتكونَ كاملاٍ وزّع أموالَكَ على الفقراء


يُعتبرُ محتوى "الدينونة العظمى"، منطلقًا لاقتصادٍ مسيحيٍّ سليمٍ، وضعَ له يسوع أسسًا في صورةٍ غير مباشرة. فهو حاول أن يكلّمَ سامعيه بالأمثال "ليفهموا"، فإذا بملكوتِ الله يُشبه الاستثمار الاقتصادي في مفهومه السامي. ولولا سمو المفهوم الاقتصادي عند يسوع، لما شبّه به ملكوت الله. فالتشبيه يفترض الموازاة بين المشبّه والمشبّه به، وإلاّ اختلَّ التشبيه. صحيح أن دعوة يسوع تُركّز على الاكتناز في ملكوت السموات، لأنه "حيْثُ يكونُ كنزكَ يكونُ قلبكَ"، لكنّه لم يمنع الاكتناز في الحياة الأرضية. إذ كيف يستطيع المؤمنون أن يقدموا المأكل والمشرب والكساء والمأوى إلى المحتاجين إذا لم يعملوا. في هذا المجال يقول يعقوب في رسالته (2: 14 -17): "ماذا ينفعُ يا أخوتي، أنْ يقولََ أحدٌ إنّه يؤمنُ، إن لم يعملْ؟ أبوسعِ الإيمانٍ أن يخلِّصه؟ فإن كان فيكم أخٌ عريانٌ أو أختٌ عريانةٌ ينقُصهما  قوتُ يومهما، وقال لهما أحدكم: اذهبا بسلامٍ فاستَدْفئا واشبعا، ولم تعطوهما ما يحتاجُ إليه الجسد، فماذا ينفعُ قولكم؟ وكذلك الإيمانُ، فإن لمْ يقترنْ بالأعمال كانَ ميتًا في حدّ ذاته". ويُتابع: "إن الإيمان من غيرِ أعمالٍ شيئٌ عقيم".
من هنا تعتبرُ الدعوةُ إلى الإنتاج من أركان الاستثمار الاقتصادي، وإلى الاستثمارِ العملُ الجيّدُ والاكتنازُ لمساعدة الآخرين، والتفاهم بين الأخوة بعيدًا عن الطمع والجشع.
محورُ الاقتصاد المسيحي "المحبة"، التي هي بالتأكيد محورُ سلوك المسيحي في حياته. فالحسابات الاقتصادية الدقيقة في أمثال يسوع تعبّرُ عن الدقّة التي يجب أن يعتمدها المؤمنُ في حساباته ليدخلََ ملكوت الله، أو يستحقَّه.
لكنَّ هذا المحور يختلف عمّا سبق وأملاه العهد القديم. فالتوراة العبرانية  "لا تضع في المواجهة التعلق بالثروات وخدمة الله، بل على العكس تثمّن الغنى وتعطي للغنى معنى لاهوتيا" .

الانقلاب ضدَّ الغِنى
يُحدِثُ يسوعَُ انقلابًا إزاء الغنى ويتخذ في انقلابه طابع القسوة: "الويلُ لكم أيها الأغنياءُ، فقد نلتم عزاءكم (لوقا 6: 24)، وهي لهجةُ إدانةٍ مطلقة. و"تبرز هذه الإدانة بكلِّ أبعادها لدى المقارنة بين التطويبات والويلات في موعظةِ الجبل، وبما وعد سفرُ تثنية الاشتراع، بحسب ما يكونُ إسرائيلُ أمينًا أو غير أمين للناموس (تثنية:28) وهنا تتعمّق الفجوة بين العهدين القديم والجديد".
يُعلنُ يسوع: لا يمكن أن تعبدوا سيّدين الله والمال (متى 6: 24) فينتصبُ المال سيّدًا بلا رحمة : إنّه يخنقُ عندَ الرجل الجَشِعِ، كلمةَ الإنجيل (متّى 13: 22)، حيث يقولُ يسوع في تفسيره لمثلِ الزارع "أمّا الذي زُرِعَ في الشوك، فهو الذي يسمعُ الكلمة، ويكونُ له من همِّ الحياةِ الدنيا وفِتْنةِ الغِنى ما يخنقُ الكلمة فلا تُخرِجُ ثمرًا". وتجاهَ قساوة قلوب الفريّسيين يقلبُ سلوكية المجتمع، إذ يطلبُ رحمةً لا ذبيحةً" (متى 9:13، وهي من قول هوشع 6:6)، لا يُبطلُ يسوع الذبيحة التقليدية بعد، لكنّه يذهبُ إلى أبعد من تقدمة الذبائح والتوقف عن العمل أيام السبوت، عندما يكونُ المرءُ في حاجةٍ إلى عمل رحمة، مثل غفران الخطايا وشفاء المرضى...
وعملُ الرحمةِ هذا لا ينطلقُ إلا من المحبّة، من الحبِّ الكبير الذي يستوجب التضحية. وهذا المحور يشكلُ قطبَ الحياة الاقتصادية لدى يسوع. هكذا يدخلُ المؤمنون ملكوت الله ويستحقونَ نعمةَ الخلاص.
ولا نُغفلُ أيضًا دعوة يسوع إلى عدم اكتناز "المال الحرام"، ويمكن لمن جمع المال الحرام أن يعود ويوزّعه على الفقراء ويتوقف تاليًا عن الاستمرار في جمع هذ النوع من المال.


ميشال مرقص
من كتابي "الإقتصاد في الإنجيل"


الخميس، 6 مارس 2014

اقتصاد الجماعة – بمحبّة




اقتصاد الجماعة – بمحبّة


1 – ما تفعلونه مع إخوتي الصغار فمعي تفعلونه 


السامري الصالح – جان دو لا كروا 1798-1863


ينقلُ الإنجليُّ متى عن يسوع، في الفصل 25 من الآية 31 إلى الآية 36، وتحتَ عنوان "الدينونة العظمى" في "الكتاب المقدّس"، قولَ يسوع واصفًا تلك الدينونة : "وإذا جاءَ ابنُ الإنسانِ (يسوع) في مجده، تواكبُهُ جميعُ الملائكةِ، يجلسُ على عَرْشِ مَجدِه، وتُحشَرُ لديهِ جميعُ الأمم، فيفصلُ بعضَهم عن بعض، كما يفصِلُ الراعي الخِرافَ عن الجِداء. فيُقيمُ الخرافَ عن يَمينه والجِداءَ عن شِمالِه. ثمَّ يقولُ الملكُ للذينَ عن يمينه: "تعالوا، يا مَنْ باركهم أبي، فَرِثوا الملكوتَ المعدَّ لكم منذ إنشاءِ العالم: لأنّي جعتُ فأطعمتوني، وعطشتُ فسقيتموني، وكنتُ غريبًا فآويتموني، وعُريانًا فكسوتموني، ومريضًا فعدتموني، وسجينًا فجئتم إليّ". متمّمًا وموضحًا أنَّ "كلّما صنعتم شيئًا من ذلكَ لواحدٍ من إخوتي هؤلاء الصِّغار (كل إنسانٍ محتاج)، فلي قد صنعتموه"، بخلاف الذين عن شِماله، الذين لعنهم لأنهم لم يفعلوا ما فعلَ "أهلُ اليمين"، فهم إلى "النار الأبدية... حيثُ العذاب الأبدي"، لأنّي، كما يضيفُ يسوع في الآيتين 42 و43 "جُعتُ فما أطعمتوني، وعطِشتُ فما سقيتموني، وكنتُ غريبًا فما آويتموني، وعرْيانًا فما كسوتموني ومريضاً وسجينًا فما  زرتموني". لأنّكم (الآية 45)، "أيّما مرّةٍ لم تصنعوا ذلكَ لواحدٍ من هؤلاء الصِّغار فلي لم تصنعوه".
ويعتمد يسوع في "الدينونة العظمى" المقاييس الاقتصادية والاجتماعية بين الجماعات المؤمنة، كوسيلةٍ للخلاص الأبدي. لم يتحدّثْ هنا عن مخالفات للوصايا او تجاوزات للشريعة، بل أوصى بطريقةٍ غير مباشرة بالتعاطف والتنازل عن بعض الثروات إلى الجائعين والعطشين والعريانيين والغرباء، حتى لا يعودُ جميعهم غرباء عن مجتمعهم. فالغريب هنا، الذي يأتي من بلاد او أمكنةٍ بعيدة لا يجدُ له مأوى في زمن يسوع، أمّا  الآن فتبدّلت الأحوال مع تطوّر الحضارة. والغريبُ أيضًا من لا يمتُّ بصلةٍ إلى الجماعة أو الأفراد، ويتصرّف معه هؤلاء كواحدٍ منهم. وفي الوقتِ ذاته، يشعرُ الجائع والعطِشَ والعريان بغربةٍ في مجتمعهم وفي ما بين أهلهم، لأنهم لا يملكون من الثروات ما يملكه أولئك، وحتى أنّهم لا يستطيعون أن يؤمنّوا قوتَ يومهم. فهم يحتاجون إلى طعام وماء وكِساء ومأوى وطبابة ورعاية وغيرها.
والاهتمام بهؤلاء "الغرباء" "القريبين"، لا ينبع إلاّ ممّن أحبَّ أخاه أي قريبه، وبالإسقاط البعيد جميع الناس. فالسامري (لوقا 10: 30 – 37)، هو الأقرب إلى اليهودي الذي "عرّاه اللصوص وانهالوا عليه بالضرب. ثمَّ مضوا وقد تركوه بين حيٍّ وميت"، لأنه "أشفقَ عليه، فدنا منه وضمّد جراحه، وصبَّ عليها زيتًا وخمْرًا ثمَّ حمله على دابّته وذهبَ به إلى فندق واعتنى بأمره. وفي الغد أخرجَ دينارين، ودفعهما إلى صاحب الفندق وقال: اعتنِ بأمره، ومهما أنفقتَ أؤدِّه أنا إليكَ عندَ عودتي". فالسامري، عدو اليهودي، يمثّل الترجمة الواقعية لكلام يسوع "أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم"، بخلاف الكاهن واللاوي اليهوديين اللذين مالا عن الرجل المصاب.
ويُقيمُ يسوع في "الدينونة العظمى" توازنًا سيميتريًا بين المال والمحبة، فالمحبّة تقع إلى يمين الله وحبُّ المال إلى يساره"، وإذا كان المالُ سيّدًا تُمكن عبادتُه في موازاة عبادة الله، فإن وصيّة "المحبّة" هي في مستوى الوصيّة الأولى والأهم من بين الوصايا، "أحبب الله"، وتُشبهها وصيّة "أحبب قريبك". ويورد لوقا الوصيتين في واحدة "أَحْبِبْ الربَّ إلهك بكلٍّ قلبكٍَ، وكلِّ نفسِكَ، وكلِّ قوتِكَ، وكلِّ ذهْنِكَ، وأَحْبِبْ قريبَكَ حبَّكَ لنفسكَ". وتعني الوصيّة الثانية أن يُحقِّقَ المؤمنون العدلَ والمساواة في ما بينهم وبين المحتاجين من إخوةِ يسوع الصغار، أي الفقراء، فيقدموا لهم ما يحتاجونه من مأكل وكساء وماء ومأوى... في إطارٍ مفعمٍ بالمحبة، لا أن يكونَ العطاءُ للكبرياء والتفاخر ما يؤلمُ الكرامة الإنسانية ويُذلّها. يقولُ يسوعُ: "إيّاكم أن تعملوا برَّكم بمرأى منَ الناسِ لكي ينظروا إليكم، فلا يكونُ لكم أجرٌ عندَ أبيكُمُ الذي في السموات. فإذا تصدّقْتَ فلا يُنْفخْ أمامكَ بالبوقِ، كما يفعلُ المُراؤون في المجامعِ والشوارع ليُعظِّمَ الناسُ شأنهم. الحقَّ أقولُ لكم إنّهم أخذوا أجرهم. أمّا أنتَ، فإذا تصدّقتَ، فلا تعلمْ شِمالُكَ ما تفعلُ يمينُكَ، لتكونَ صدقتُكَ في الخُفْية، وأبوكَ الذي يرى في الخفية يُجازيك". ويرى بولس في رسالته الأولى إلى اهل قورنتس أنّه "ولو فرَّقْتُ جميع أموالي لإطعامِ المساكين،...، ولم تكنْ لي المحبّةُ، فما يُجديني ذلكَ نفْعًا" (13/3).

من كتابي الإقتصاد في الإنجيل

ميشال مرقص

الاثنين، 3 مارس 2014

ليسَ بالخبزِ وحده يحيا الإنسان (2)



        ليسَ بالخبزِ وحده يحيا الإنسان (2)



يسوع يطرد الباعة من الهيكل (دومينيكوس تيوتوكويولوس (المعروف بـ إل غريكو) 1541-1614)



قبلَ أن يباشرَ تعليمه الخلاصي، وإثرَ الانتهاء من صومه، أكَّدَ يسوع "للمجرّب" أنَّ الإنسانَ وإن كان يحيا بالخبزِ، إنما يحتاجُ إلى العملِ بكلمة الله ليحيا كاملاً. وتوازنت التجاربُ الثلاث بين ما هو جسدي مادي: الخبزُ وحكمُ الممالك، وروحي: كلامُ الله والسجودُ له وحده والنهي عن تجربته، (عصيانُ كلام الله لاختبار مدى صبره أو استغلال رأفته لمنافع شخصية كما في العهد القديم – حاشية الكتاب المقدس العهد الجديد صفحة 44).
 فيسوع لم يميِّز بين احتياجات الحياة الدنيا واحتياجات الحياة ما بعد الموت، بل رسمَ أخلاقيات الحياة الدنيا بهدف الاكتناز في ملكوت الله. وهو بطبيعته البشرية المتجسدة في إنسانه، عاش في شكلٍ طبيعي كان يجوع ويعطش ويصوم فيأكل ويشرب ويلبّي دعوات إلى المآدب والولائم، ويخطُّ في حياته نموذجًا للإنسان المؤمن من بعده.
من هذا المنطلق، وضع يسوعُ سلوكياتٍ للعيش وأخلاقياتٍ للتعاطي بين جماعة المؤمنين، أو بين الناس. فتعاليمُ يسوع تشملُ أيضًا "الدين والدنيا"، من دون التعاطي في السياسة أو "اشتهاء" الحكمِ السياسي. هذا شأنٌ آخر.
في إطار هذا الموضوع قاربتُ، بصفةٍ مدنية فقط، المفهوم الخاص بالاقتصاد من خلال تعاليم يسوع، مستعينًا بقراءات أخصّائيين ولاهوتيين ورجال دين وعلماء، وتبنّي مفاهيمهم بصورة كاملة في بعض المواضيع، ومعارضة بعض المفاهيم والشروحات التي توقفت عند المغزى الروحي فقط، ولمْ تتعدَّ البُعدَ الاقتصادي من جوانبه الظاهرة في شكلٍ مباشر إلى الجوانب غير المباشرة كما في مثل الكرّام والعاملين لديه، وفي أسباب لعنِ يسوع للتينة التي يبست. أو تجاوزًا في المقارنة بين كفتي الميزان في قول يسوع: "أعطوا لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله".     


من كتابي – الاقتصاد في الإنجيل


ميشال مرقص





الأحد، 2 مارس 2014

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان


ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان


تجربة يسوع - آري شيفر 1795-1858
يبدأ يسوعُ حياته التبشيرية بتجربةٍ بدا فيها دورُ الخبزِ مهمًّا، وبآيةٍ في عرسِ قانا أبرزَ فيها فرح العرسِ وأهمّيةَ الخمرةَ للمدعوين. وأنهاها قبل رفعه على الصليب برسمِ الإفخارستيا من الخبز والخمرِمعًا.
ويجدُ متّى (4: 1-11) ومرقس (1: 12 -13) ولوقا (4: 1 – 13)، بداية الحياة الرسولية ليسوع أنّ "الروحَ سارَ بيسوع إلى البرِّية ليُجرّبه إبليس. فصامَ أربعين يومًا وأربعينَ ليلةً حتى جاع. فدنا منهُ المُجَرِّبُ وقال له: إن كُنتَ ابنَ اللهِ، فمُرْ أنْ تصيرَ هذه الحِجارةُ أَرْغفةً. فأجابهُ: مكتوبٌ ليسَ بالخُبزِ وحدهُ يَحْيا الإنسانُ بلْ بكلِّ كلِمةٍ تخرُجُ من فم الله. فمضى بهِ ابليسُ إلى المدينةِ المقدّسةِ وأقامهُ على شُرْفَةِ الهيكلِ، وقال له: إنْ كُنتَ ابنَ الله فألقِ بنفسكَ إلى بنفسكَ إلى الأسفلِ، لأنّه مكتوبٌ: يوصي ملائكته بكَ فعلى أيديهم يحملونكَ لئلا تصطدم بحجرٍ رِجْلُكَ. فقالَ لهُ يسوعُ: مكتوبٌ أيْضًا: لا تُجرِّب الربَّ إلهك. ثمَّ مضى به إبليسُ إلى جبلٍ عالٍ جدًّا وأراه جميعَ ممالكِ الدُنيا ومجدها، وقالَ له: أعطيكَ هذا كلّهُ إنْ جثوتَ لي ساجدًا. فقال له يسوعُ: اذهبْ يا شيطانُ! لأنه مكتوبٌ للربِّ إلهكَ تسجد وإيّاه وحده تعبد. ثمَّ تركه إبليس، وإذا بملائكةٍ قد دنوا منه وأخذوا يخدمونه".
تؤكّدُ تجربة يسوعُ، على اختلاف مفرداتٍ بين متّى ولوقا، وإيجاز الرواية لدى مرقس، حاجاتِ الإنسانِ الجسدية والحياتية، وصراعه الداخلي بينَ مجدِ الحياةِ الدنيوية والحياةِ الروحية. فيسوعُ صامَ حتى "جاع"، أي أنّه امتنعَ عن الأكلِ طوعًا فضعُفَ لتصيرَ التجربةُ مغريةً، لكنّهُ تجاوز تجربةَ الخبز الذي هو ضرورة،  ورغم تلك الضرورة فالإنسانَ  لا يحيا بالخبز وحده، بل بكلام الله أيضًا. وقياسًا فإنَّ عيسو تنازلَ عن بكوريتهِ لأخيه يعقوبُ لقاء صحنٍ من العدس فخطئ أمام أبيه واستحقّ خسارة بكوريته لأنه احتقرها (تكوين 25: 34) (مرجع: المرشد إلى الكتاب المقدّس صفحة 143). ومن هذا القياس يمكن تقدير حالة الذين يجوعون قسرًا وليس لديهم ما يسدّون به الرمق، فهؤلاء معرّضون للتجارب، وكثيرون يضعفون، لكنّ يسوع يَدعو إلى تحمّل الجوع تجاه الله الذي يعرف حاجات الناس ويؤمنّها لهم.
وعدا عن الخُبز يرفضُ يسوع مجدًا ظاهريًا كأن تحمله الملائكةُ، أو يسجد لإبليس ليملكَ على العالم بما فيه من سلطانٍ وأمجاد، لافتًا إلى أنّهُ لم يأتِ لسلطانٍ دنيوي أو حكمٍ سياسي ليُتوّج على مملكةٍ فانية، بل ليسجد إلى الله ويدعو كلَّ إنسانٍ  إلى التشبّه به. فأكّد منذ بداية بشارته أنَّ من يسمع كلام الله لا يتركه، إذ يُضيفُ متى :" وإذا بملائكةٍ قد دنوا منه وأخذوا يخدمونه"، أي يقدّمون له الطعام. (الكتاب مقدس – هامش صفحة 44 من العهد الجديد)
لكنّ الحياة الجسدية لا تدعو الجميع إلى التقشّف الكامل، بل تسمح بحياةٍ يملؤها الفرح الدنيوي متى اعتمدت باعتدال وبخاصةٍ الفرح الروحي. وعلى رغم رمزية تحويل الماء إلى خمرٍ جيّدة في عرسِ قانا... ومجاراة نشوة المدعوين، إنما يستكملُ يسوعُ مشهد التجربة والخبز بمشهد الخمرِ الذي سيتحوّل في ما بعد على درب الجلجلة فالصليب، إلى خمر الحياة.
لذا يُسدَلُ الستار على حياة يسوع قبل تسليمه إلى الصلب بدعوته رسله الاثني عشر ومن بعدهم جميع المؤمنين على مدى الحياة إلى استكمال تنفيذ الجزء الثاني من جوابه على التجربة الثانية، أي الإنسان يحيا "بكلام الله"، وهنا بجسده ودمه، إلى جانب الخبز والخمر في الحياة الدنيا، ولكن باعتدال وبإشراك الآخرين المحتاجين فيهما.
تخطُّ بداية حياة يسوع ونهايتُها مسيرةً للحياة الاقتصادية والروحية لمن آمنوا وعملوا بكلام الله.
                                   ميشال مرقص
(مقدّمة كتابي: الإقتصاد في الإنجيل)

                             26 آذار 2011 

الثلاثاء، 18 فبراير 2014

عملي الأوّل


عملي الأول


الموعدُ منتصفُ آب 1961، عيدُ انتقال السيّدة العذراء في لبنان، وهو عيدٌ رئيس لوالدة يسوع، لدى المسيحيين. أذكُرُ أنّني لمْ أشارِك في الذبيحة الإلهيّة ذلك التاريخ. كنتُ عاتبًا على "أمّي العذراء"، لماذا لا أجدُ عملاً، وأنا أحملُ شهادة الفلسفة؟ ولمَ لا يُفتَحُ مجالُ العملِ لي؟
عاتبني والدي بشدّة، على تخلّفي عن المشاركة في القدّاس. أخبرتُه بأنّ الصلاة لا تنفع. كيف لا أجدُ عملاً وأنا أصلّي... وكانَ جدلٌ شعرتُ بأنني مُخطئٌ في سلوكيّتي.
لكنَّ اليوم التالي لمْ يتأخّرْ. توجّهتُ إلى بيروت، وما أنْ كاد ينقضي ذلكَ النهار، حتى التقيتُ أستاذي في اللغة الفرنسية كريستيان غازي. كنتُ أتجوّل في منطقة ستاركو، البرجُ الحديث في بيروت، فالتقينا بعد سنواتٍ.
كان كريستيان غازي يُدرّسنا اللغة الفرنسية في مدرسة دير ميفوق، أيّام رئاسة الآباتي شربل قسيس للدير. بين 1957و1958. وكنّا على ودٍّ عميقٍ وتفاهمٍ معه. يُتقن لغته ببراعة وشاعرية، ويتعاطى مع طلاّبه بأخلاقيّة وشيطنة... وكنّا نحفظُ ما يصوغه لنا من مواضيع ...ونُتقن تلكَ اللغة....
وكانَ غازي ووالدي، وهو يُدرِسُ في ميفوق، على ودٍّ وصداقة.
شكوتُ إلى الأستاذ السابق حال بحثي عن عمل... دعاني إلى حضور جلسة لأعضاء مجلّة شعر تلك الليلة. وافقتُ. كان مقرُّ المجلّة لصيقًا بمقرِ موقع لسان الحال...
اجتمّع تلك الليلة كلٌّ من يوسف الخال، شوقي أبو شقرا، أـنسي الحاج، ميشال بصبوص، كريستيان غازي  وآخرين تخونني الذاكرة عنهم...
كانت أحاديث أدب وشعر وفنّ. شعرتُ ليلتها بنشوة لهذا الرقيّ، ما عهدتُه في مجتمعاتي الضيّقة، وأحسستُ بأنّ فضاءً بدأ يتسّعُ أمامي، ذي أفقٍ رحبٍ...
نظرَ إلى وجهي النحّات ميشال بصبوص، وتوقّع لي مستقبلاً أو نجاحًا في مجالٍ ما: "عيناكَ توحيان بذكاء" قالَ، فابتسمتُ وشكرتُ...
أنسي، نادى كريستيان غازي الشاعر أنسي الحاج. ميشال يريد أنْ يعمل...دعاني أنسي الحاج أن أزوره في مكتبه في جريدة النهار أول الحمراء...
ثمَّ أعطاني الأديب يوسف الخال كتبًا لأقرأها وأعرض لها في مجلّةِ شعر...
لا تزالُ ابتسامة يوسف الخال المُشّعة، وهدوء أنسي الحاج الطفولي، وطرافة شوقي أبو شقرا، وصفاء ميشال بصبوص ترافقني ...

وعدتُ تلكَ الليلة مثقلاً بآمال...

ميشال مرقص

من "الرجوع إلى الذات" – أحداث وذكريات – قيد الإعداد 



الثلاثاء، 11 فبراير 2014

إقتصاد المياه



إقتصاد المياه


         صنين قبل عامين 


إذاعة  صوت لبنان - 22 كانون الثاني – 2014
(باللغة المحكية)


طبيعي – إذا بلد متل لبنان بيختلفو زعماؤو على جنس الملايكي – وما  بيتفقو إلا على كل شي بيخلفن – ما يهتمو لمستقبل البلد ولا لرفاهية حياة سكانو ... ووقت يللي منظمات الأمم المتحدة بتهتم كيف تحسن حياة السكان في العالم وتوضع خطط لسنة 2050 أو 2075 --- بيكونو السياسيين عنّا ما فاقو من كوابيس القرن التاسع عشر ...
وهيك  بهالبلد لبنان عم نفّذ اليوم إنشاء سدود لخطة انوضعت نهاية ستينات القرن الماضي بوقت دخل لبنان أفق التغيّر المناخي في العالم وانخفض مستوى الهطولات المطرية --- وبدل إنشاء السدود صار لازم يتم إنشاء معامل لتحلية مياه البحر ...

دخل لبنان وفي وجه التقريب من نهاية تسعينات القرن الماضي – دورة عدم انتظام الهطولات المطرية – بين سني والتانيي – في وقت توسع العمران وازداد البناء وتطورت الزراعة وأساليبها – وصارت المواسم الزراعية على مدار السني ...

وأدّى الاستغلال الجائر للمياه الجوفيي إلى تناقص مستوى مخزون هذه المياه – ما يعني استمرار التوغل في عمق الأرض --- واستخدام مياه قد تكون مالحة --- واستنفاد هذا المخزون المضر بالبيئة وبالزراعة والمناخ ...

وما كان في ضرورة للخوف لو التزمت الحكومات في لبنان بتنفيذ الخطط والمشاريع يللي بتوعد فيها وبتوضع فيها دراسات --- وعلى سبيل المثال لا الحصر --- وإضافة إلى التأخر في إنشاء السدود نذكر المشاريع الآتية:

1 – تشجير جبل صنين – مشروع أعدّ في وزارة الموارد المائية آنذاك – الطاقة اليوم – سنة 1986 --- وهالمشروع بيأمن عدم تصحير صنين متل ما هوي اليوم --- ويحفظ الثلوج أطول مدة ممكنة --- زيادة خمسة شهور في السنة --- بحيث يُغذي ذوبانها البطيئ الأنهر الجوفية والينابيع ... فتؤمن المياه خلال فصل الشحائح ...

2 – استغلال مياه بحيرة اليمونة الجوفية --- يللي وصفها المرحوم الشيخ موريس الجميل من أنها أكبر البحيرات الجوفية في لبنان – مؤكدا أن مياهها تصل من روسيا ... ويمكن استغلالها لجهة البقاع ولجهة لبنان الشمالي وحتى جبل لبنان === إذا صحَ توصيفها...

3 – تنفيذ شبكة تنقية مياه الصرف الصحي ومحطات تكريرها – وقد ذكرها برنامج الإنماء والإعمار عام 1993-- على أنها من الأولويات – بحيثُ تُستخدم مياهها للري والصناعة --- كما يُستخدم قسمٌ كبير من النفايات الصلبة – لو نفذّت الخطة – أسمدة للزراعة --- وما كانت المطامر تلوّث البيئة ويتظاهر الناس لإقفالها---

4 – تنظيم شبكة صرف مياه الأمطار --- تصويبها نحو بحيرات اصطناعية في الوديان أو عند مصبات الأنهر على شاطئ البحر ...

هيدا محليًا ...ويمكن أيضًا تنفيذ مشاريع إقليمية بمسعى من لبنان – عبر الدول المجاورة ...

وبحسب التوقعات الممكنة لغاية منتصف آذار 2014 --- فإن الأيام الممطرة لن تتعدى خمسة أيام ...وعليه منطلب من الحكومة --- أن تتفاوض مع الحكومة التركية --- باستجرار المياه من خزاناتها وسدودها في ديار بكر ... بالطريقة التي تؤمن بها إلى شطر قبرص التركي --- بواسطة صهاريج خزانات تُجرُّ بحرًا ... أو تستقدم الحكومة معامل لتكرير مياه البحر على غرار معمل توليد الكهرباء ... وفي سرعة ...

المطلوب يقظة لتأمين سياسة مائية في مثل هذه السنة الشحيحة ...
وتنفيذ مشاريع إلى شركات تتقاضى هي الأرباح وتدفع ضرائب ...وليس من أموال القروض أو خزينة الدولة ..


ميشال مرقص 

السبت، 23 مارس 2013

الاقتصادي والسياسي والتوازنات


الاقتصادي والسياسي والتوازنات
بقلم ميشال مرقص

(جريدة النهار 17/11/2006)


الوطن الصغير محكومٌ بالتوازن، إنها مسلّمة تم اختبارها، على الأقل في القرنين الماضيين، فلم تنجح مقوّمات الحياة السياسية والاقتصادية فيه، إلا عندما ينجح اختبار تحقيق التوازن، ليس فقط بين أبنائه وطوائفه، بل وأيضًا بين مجموعة الدول العالمية التي ترعى هذه الطوائف، وتتداخل مصالحها في إدارة شؤون دول العالم، منذ عصر الإمبراطوريات والتوسّع الاستعماري، إلى عصر العولمة والمؤسسات الاقتصادية المتعدّدة الجنسيات. ومنذ أرسى ميثاق 1943 التوازن السياسي والطائفي في تاريخ الوطن المعاصر، صار إحداث الخلل في هذا الميثاق، عنوانًا للصراع السياسي في انتظار تحقيق معايير جديدة لهذا التوازن. سياسيًا حدث الخلل مع صعود نجم الرئيس عبد الناصر، ومع توسّع نشاط المقاومة الفلسطينية أيام زعيمها ياسر عرفات، وأيام الوصاية السورية التي انقلبت إلى احتلال، وبعد نهايتها. وكان يحصل خللٌ دائم على صعيد الفرز الانتخابي منذ عهد بشاره الخوري إلى عهد إميل لحود، فتعدّد القوانين وصياغتها على قياس القوى الفاعلة وعدم ثباتها من دورةٍ إلى ثانية، جعلها أداةَ هدمٍ للنظام السياسي وأداةَ تدخلٍّ خارجي لمساندة الفرقاء المغلوب على أمرهم.

وصاحبَ الاضطرابَ في التوازن، خللٌ آخر على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. فاستئثار المدن الرئيسية بالإنفاق الحكومي، لا سيّما على صعيد توفير البنية التحتية وإنشاء المدارس والمستشفيات وتوفير فرص العمل في الإدارة العامة العسكرية والمدنية، والتغاضي عن إنماء الأرياف وتعميم الإنماء المتوازن والمستدام، أحدث الخلل الديموغرافي عن طريق النزوح الكثيف من الأطراف إلى العاصمة بيروت وإلى المدن الأخرى، فنمت الضواحي في شكلٍ فوضوي وتوسّع البؤس في المجمّعات السكانية في زنّّارٍ لفّ بيروت وجعلها في قبضة سكّان المخيمات تستنزف طاقتها الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية.

والخلل في توازن التنمية فرّخ حركات التمرّد  إذ عزّز موقع الأحزاب اليسارية الطامحة والطامعة في تقويض المؤسسات الحاكمة، أي في تعميق الخلل الضارب في التوازن السياسي الهش. كما نشأت حركاتٌ تحارب الفقر مثل حركة المحرومين التي انتظمت في حركة أمل، نظرًا للحرمان الكبير الذي عانى منه الجنوب والجنوبيون. وانتشار الفقر يؤهّل إلى الفساد وإلى تجاوز أحكام القوانين على صعيد توفير الخدمات المعيشية وتقديمات الرعاية الاجتماعية، فتضطرب موازين العدالة الاجتماعية ومعايير الإنتاجية في القطاعين العام والخاص، كما يستشري الفساد في الجسم الإداري، بحسب ما توًصل إليه مؤشر مدركات الفساد لسنة 2006، إذ ربطت نتائجُه، تنامي حجم الفساد بتوسّع بيكار الفقر والفقراء. غير أن مصدر الفساد في لبنان هم الأغنياء وأصحاب النفوذ وليس الفقراء.

الوطنُ الصغير يعيش منذ أكثر من ربع قرنٍ في حالٍ من عدم التوازن. ما اعتقده أنّه توازنًا كان بفعل القوّة العسكرية الحاكمة، التي استظلّ فيء هينمتها، فريقٌ كبيرٌ من أبنائه، فتحكمّوا بالآخرين. وإذ تغيّرت معايير التوازن واختلفت قياسات جهات المضلّعات السياسية في التركيبة اللبنانية،  فذلك لا يعني أن إمكانات الاستمرار باتت متوفّرة بفعل الأمر الواقع، أو بفعل أمر السياسات الدولية. فإلى حينٍ، لم يكن يحكم التوافق غير الدول العالمية، أمّا اليوم فأضيفت دولٌ إقليمية لها تأثيرٌ ولا يمكن أن يتجاهله الحكماء في جمهورية الوطن الصغير. فانتصارُ هذا الوطن يتوقّف على مدى قدرة الجميع تجاوزَ الوفاقات الدولية والإقليمية ونجاحهم في نسج عباءة الوفاق الداخلي، أي العودة إلى توازن 1943 " لا شرق ولا غرب" مع قبول التعديلات التي فرضها الانحراف السياسي أو التعديل الديموغرافي.

وإذا كان الوطنُ محكومٌ بتحقيق التوازن السياسي، فالاقتصاد محكومٌ أيضًا به. إنّه ناتج السياسيّ، ولا أمل أن يقوى اقتصادٌ ويزدهر ويحقق الرفاه إلا بهذا التوافق السيّد لتحقيق التوازن. في إسرائيل اليوم، تنبئ المؤشرات الاقتصادية عن تخطيها نتائج الحرب التي شنّتها على لبنان وعجز الذي أقلق المجتمع الصهيوني، إلى جانب الفساد المستشري في الإدارة ومن وجوهه رئيس الجمهورية. ورغم أن ناتجها الداخلي سيتأثر بحوالي 1.5 نقطة أساسية سلبًا فيتراجع عن 5.5 إلى 4 في المئة في 2006، فإن حركة الاستثمار جعلت آثار الحرب والمخاوف منها، وراءها. هاولت بايكر الشركة الصانعة لبرمجيات وتجهيزات المعلوماتية اشترت مؤخّرًا، أسهمًا بقيمة 4.5 مليار دولار في شركة ميركوري الإسرائيلية العاملة في قطاع التكنولوجيا الرفيعة.

 أما في الوطن الصغير فيعلنُ وزير المال، أن عجز موازنة 2006 سوف يزيد، وأن خدمّة الدين لوحدها سترتفع من 3900 مليار ليرة إلى 4653 مليار ليرة، وأن الدين العام سيتجاوز 40 مليار دولار أميركي. وهو يضمّ صوته إلى صوت الفعاليات الاقتصادية، يرجو الأقطاب الممسكين بصمّامات الأمان السياسي أن يحكموا ضبطها ويريحوا المواطنين مما هم فيه: القلق، اليأس، القرف، انعدام الثقة، الفقر، الإفلاس، الإحباط والهروب من هذا المناخ الأسود الذي لا تنيره البصائر والقلوب ولا حتى تخصيص مبلغ 1200 مليار ليرة إلى مؤسسة كهرباء لبنان من أصل 1849 مليارًا خصّها مشروع موازنة 2006 للاستثمار، أي لتفعيل الاقتصاد وتعزيز الإنفاق العام على المشاريع التي تفعّل من النشاط الاقتصادي. علمًا أن موازنة 2006 كان يجب أن يكون مجلس النواب قد أقرّها في دورته العادية الثانية من 2005 ولا تتضمن آثار حربٍ حصلت في النصف الثاني من 2006!

إنّه الوطن الصغير، يُستنزف في قدراته البشرية والاقتصادية وفي إمكاناته على العطاء والابتكار. لقد تمّ تسميم المناخ والهواء الذي يتنفّسه الناس المتشوقون إلى اطمئنانٍ بعد تكاثر الأحداث الأمنية الاختراقية والرسائل الممهورة بتوقيع القاعدة والتهويل الشارعي الذي يغرق البلاد "بحق التعبير" و"شرعية التظاهر" و"التظاهر المضاد" بما يهدم آخر مدماك في صرح الثقة. إذ لا يكفي أن يطمئن المتواجهون المواطنين، بل يجب أن يطمئنّ المستثمرون من سلوكيات هؤلاء، سواء الاستئثارية أو الترهيبية، فالجميع يعرف قدرة كلّ فريق على تجييش جمهرة الناس وعلى إتاحة مجال تسلل المخرّبين. والجميع يعرف أن الشعارات التي أطلقها ويطلقها تتهاوى في مزابل التاريخ  أمام حقائق المجريات.

ليس المجال مجال تهديد الثقة بالاقتصاد ولا خلخلة ثقة المستثمرين ولا أمن السياح الذين يقصدون في عطلة الأعياد حتى ولو انحصر عددهم بأبناء الوطن من حملة جنسيات الدول التي احتضنتهم. فالمجال هو مجال إعادة لعبة التوازن الداخلي بين الأفرقاء المتصارعين، بعيدًا عن الضغوط العالمية والإقليمية قدر المستطاع. وإعادة التوازن إلى الاقتصاد وتحقيق هذا التوازن باستمرارٍ في إنماء المناطق كافّة. ولا يكفي أن ينصّ مشروع موازنة 2006 على إلغاء صندوقي المهجّرين ومجلس الجنوب. بل يجب إلغاء أسباب وجودهما بترصيد المساعدات والهبات، في وقت زاد عدد المهجّرين وتضاعفت حاجة الجنوبيين والجنوب إلى المساعدة.

في شباط 2007، تطرح شركة لا فارج الفرنسية في الأسواق المحلية، نوعًا جديدًا من الاسمنت من دون غبار. إنّه أكثر ليونة وقليل الاستهلاك للمياه ولكّنه أكثر صلابةً ومرونة. وإذ يشير النبأ إلى مدى اهتمام دول العامل المتقدّم بالابتكارات وإنفاق ملايين الدولارات أو المليارات على الأبحاث، في حين ننفقها على التكاذب المحلي عبر وسائط الإعلام، نأمل أن يجمع  المتخاصمين مثل هذا الإسمنت الأكثر صلابة، ليرتاح هذا الوطن من عبئهم الضاغط.

ألا يعي الجميع أن خلافاتهم حول "جنس الملائكة" أي جنس المحاور الخارجية والارتباط بها، مباشرةً وغير مباشرة،يدفع ثمنه غاليًا اقتصاد الوطن ودخلُ أبنائه ومؤسساته الهاوية نحو الإفلاس وصندوق خزينته العامة!

إلى متى هذا الاستهتار؟!