الأحد، 2 مارس 2014

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان


ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان


تجربة يسوع - آري شيفر 1795-1858
يبدأ يسوعُ حياته التبشيرية بتجربةٍ بدا فيها دورُ الخبزِ مهمًّا، وبآيةٍ في عرسِ قانا أبرزَ فيها فرح العرسِ وأهمّيةَ الخمرةَ للمدعوين. وأنهاها قبل رفعه على الصليب برسمِ الإفخارستيا من الخبز والخمرِمعًا.
ويجدُ متّى (4: 1-11) ومرقس (1: 12 -13) ولوقا (4: 1 – 13)، بداية الحياة الرسولية ليسوع أنّ "الروحَ سارَ بيسوع إلى البرِّية ليُجرّبه إبليس. فصامَ أربعين يومًا وأربعينَ ليلةً حتى جاع. فدنا منهُ المُجَرِّبُ وقال له: إن كُنتَ ابنَ اللهِ، فمُرْ أنْ تصيرَ هذه الحِجارةُ أَرْغفةً. فأجابهُ: مكتوبٌ ليسَ بالخُبزِ وحدهُ يَحْيا الإنسانُ بلْ بكلِّ كلِمةٍ تخرُجُ من فم الله. فمضى بهِ ابليسُ إلى المدينةِ المقدّسةِ وأقامهُ على شُرْفَةِ الهيكلِ، وقال له: إنْ كُنتَ ابنَ الله فألقِ بنفسكَ إلى بنفسكَ إلى الأسفلِ، لأنّه مكتوبٌ: يوصي ملائكته بكَ فعلى أيديهم يحملونكَ لئلا تصطدم بحجرٍ رِجْلُكَ. فقالَ لهُ يسوعُ: مكتوبٌ أيْضًا: لا تُجرِّب الربَّ إلهك. ثمَّ مضى به إبليسُ إلى جبلٍ عالٍ جدًّا وأراه جميعَ ممالكِ الدُنيا ومجدها، وقالَ له: أعطيكَ هذا كلّهُ إنْ جثوتَ لي ساجدًا. فقال له يسوعُ: اذهبْ يا شيطانُ! لأنه مكتوبٌ للربِّ إلهكَ تسجد وإيّاه وحده تعبد. ثمَّ تركه إبليس، وإذا بملائكةٍ قد دنوا منه وأخذوا يخدمونه".
تؤكّدُ تجربة يسوعُ، على اختلاف مفرداتٍ بين متّى ولوقا، وإيجاز الرواية لدى مرقس، حاجاتِ الإنسانِ الجسدية والحياتية، وصراعه الداخلي بينَ مجدِ الحياةِ الدنيوية والحياةِ الروحية. فيسوعُ صامَ حتى "جاع"، أي أنّه امتنعَ عن الأكلِ طوعًا فضعُفَ لتصيرَ التجربةُ مغريةً، لكنّهُ تجاوز تجربةَ الخبز الذي هو ضرورة،  ورغم تلك الضرورة فالإنسانَ  لا يحيا بالخبز وحده، بل بكلام الله أيضًا. وقياسًا فإنَّ عيسو تنازلَ عن بكوريتهِ لأخيه يعقوبُ لقاء صحنٍ من العدس فخطئ أمام أبيه واستحقّ خسارة بكوريته لأنه احتقرها (تكوين 25: 34) (مرجع: المرشد إلى الكتاب المقدّس صفحة 143). ومن هذا القياس يمكن تقدير حالة الذين يجوعون قسرًا وليس لديهم ما يسدّون به الرمق، فهؤلاء معرّضون للتجارب، وكثيرون يضعفون، لكنّ يسوع يَدعو إلى تحمّل الجوع تجاه الله الذي يعرف حاجات الناس ويؤمنّها لهم.
وعدا عن الخُبز يرفضُ يسوع مجدًا ظاهريًا كأن تحمله الملائكةُ، أو يسجد لإبليس ليملكَ على العالم بما فيه من سلطانٍ وأمجاد، لافتًا إلى أنّهُ لم يأتِ لسلطانٍ دنيوي أو حكمٍ سياسي ليُتوّج على مملكةٍ فانية، بل ليسجد إلى الله ويدعو كلَّ إنسانٍ  إلى التشبّه به. فأكّد منذ بداية بشارته أنَّ من يسمع كلام الله لا يتركه، إذ يُضيفُ متى :" وإذا بملائكةٍ قد دنوا منه وأخذوا يخدمونه"، أي يقدّمون له الطعام. (الكتاب مقدس – هامش صفحة 44 من العهد الجديد)
لكنّ الحياة الجسدية لا تدعو الجميع إلى التقشّف الكامل، بل تسمح بحياةٍ يملؤها الفرح الدنيوي متى اعتمدت باعتدال وبخاصةٍ الفرح الروحي. وعلى رغم رمزية تحويل الماء إلى خمرٍ جيّدة في عرسِ قانا... ومجاراة نشوة المدعوين، إنما يستكملُ يسوعُ مشهد التجربة والخبز بمشهد الخمرِ الذي سيتحوّل في ما بعد على درب الجلجلة فالصليب، إلى خمر الحياة.
لذا يُسدَلُ الستار على حياة يسوع قبل تسليمه إلى الصلب بدعوته رسله الاثني عشر ومن بعدهم جميع المؤمنين على مدى الحياة إلى استكمال تنفيذ الجزء الثاني من جوابه على التجربة الثانية، أي الإنسان يحيا "بكلام الله"، وهنا بجسده ودمه، إلى جانب الخبز والخمر في الحياة الدنيا، ولكن باعتدال وبإشراك الآخرين المحتاجين فيهما.
تخطُّ بداية حياة يسوع ونهايتُها مسيرةً للحياة الاقتصادية والروحية لمن آمنوا وعملوا بكلام الله.
                                   ميشال مرقص
(مقدّمة كتابي: الإقتصاد في الإنجيل)

                             26 آذار 2011 

الثلاثاء، 18 فبراير 2014

عملي الأوّل


عملي الأول


الموعدُ منتصفُ آب 1961، عيدُ انتقال السيّدة العذراء في لبنان، وهو عيدٌ رئيس لوالدة يسوع، لدى المسيحيين. أذكُرُ أنّني لمْ أشارِك في الذبيحة الإلهيّة ذلك التاريخ. كنتُ عاتبًا على "أمّي العذراء"، لماذا لا أجدُ عملاً، وأنا أحملُ شهادة الفلسفة؟ ولمَ لا يُفتَحُ مجالُ العملِ لي؟
عاتبني والدي بشدّة، على تخلّفي عن المشاركة في القدّاس. أخبرتُه بأنّ الصلاة لا تنفع. كيف لا أجدُ عملاً وأنا أصلّي... وكانَ جدلٌ شعرتُ بأنني مُخطئٌ في سلوكيّتي.
لكنَّ اليوم التالي لمْ يتأخّرْ. توجّهتُ إلى بيروت، وما أنْ كاد ينقضي ذلكَ النهار، حتى التقيتُ أستاذي في اللغة الفرنسية كريستيان غازي. كنتُ أتجوّل في منطقة ستاركو، البرجُ الحديث في بيروت، فالتقينا بعد سنواتٍ.
كان كريستيان غازي يُدرّسنا اللغة الفرنسية في مدرسة دير ميفوق، أيّام رئاسة الآباتي شربل قسيس للدير. بين 1957و1958. وكنّا على ودٍّ عميقٍ وتفاهمٍ معه. يُتقن لغته ببراعة وشاعرية، ويتعاطى مع طلاّبه بأخلاقيّة وشيطنة... وكنّا نحفظُ ما يصوغه لنا من مواضيع ...ونُتقن تلكَ اللغة....
وكانَ غازي ووالدي، وهو يُدرِسُ في ميفوق، على ودٍّ وصداقة.
شكوتُ إلى الأستاذ السابق حال بحثي عن عمل... دعاني إلى حضور جلسة لأعضاء مجلّة شعر تلك الليلة. وافقتُ. كان مقرُّ المجلّة لصيقًا بمقرِ موقع لسان الحال...
اجتمّع تلك الليلة كلٌّ من يوسف الخال، شوقي أبو شقرا، أـنسي الحاج، ميشال بصبوص، كريستيان غازي  وآخرين تخونني الذاكرة عنهم...
كانت أحاديث أدب وشعر وفنّ. شعرتُ ليلتها بنشوة لهذا الرقيّ، ما عهدتُه في مجتمعاتي الضيّقة، وأحسستُ بأنّ فضاءً بدأ يتسّعُ أمامي، ذي أفقٍ رحبٍ...
نظرَ إلى وجهي النحّات ميشال بصبوص، وتوقّع لي مستقبلاً أو نجاحًا في مجالٍ ما: "عيناكَ توحيان بذكاء" قالَ، فابتسمتُ وشكرتُ...
أنسي، نادى كريستيان غازي الشاعر أنسي الحاج. ميشال يريد أنْ يعمل...دعاني أنسي الحاج أن أزوره في مكتبه في جريدة النهار أول الحمراء...
ثمَّ أعطاني الأديب يوسف الخال كتبًا لأقرأها وأعرض لها في مجلّةِ شعر...
لا تزالُ ابتسامة يوسف الخال المُشّعة، وهدوء أنسي الحاج الطفولي، وطرافة شوقي أبو شقرا، وصفاء ميشال بصبوص ترافقني ...

وعدتُ تلكَ الليلة مثقلاً بآمال...

ميشال مرقص

من "الرجوع إلى الذات" – أحداث وذكريات – قيد الإعداد 



الثلاثاء، 11 فبراير 2014

إقتصاد المياه



إقتصاد المياه


         صنين قبل عامين 


إذاعة  صوت لبنان - 22 كانون الثاني – 2014
(باللغة المحكية)


طبيعي – إذا بلد متل لبنان بيختلفو زعماؤو على جنس الملايكي – وما  بيتفقو إلا على كل شي بيخلفن – ما يهتمو لمستقبل البلد ولا لرفاهية حياة سكانو ... ووقت يللي منظمات الأمم المتحدة بتهتم كيف تحسن حياة السكان في العالم وتوضع خطط لسنة 2050 أو 2075 --- بيكونو السياسيين عنّا ما فاقو من كوابيس القرن التاسع عشر ...
وهيك  بهالبلد لبنان عم نفّذ اليوم إنشاء سدود لخطة انوضعت نهاية ستينات القرن الماضي بوقت دخل لبنان أفق التغيّر المناخي في العالم وانخفض مستوى الهطولات المطرية --- وبدل إنشاء السدود صار لازم يتم إنشاء معامل لتحلية مياه البحر ...

دخل لبنان وفي وجه التقريب من نهاية تسعينات القرن الماضي – دورة عدم انتظام الهطولات المطرية – بين سني والتانيي – في وقت توسع العمران وازداد البناء وتطورت الزراعة وأساليبها – وصارت المواسم الزراعية على مدار السني ...

وأدّى الاستغلال الجائر للمياه الجوفيي إلى تناقص مستوى مخزون هذه المياه – ما يعني استمرار التوغل في عمق الأرض --- واستخدام مياه قد تكون مالحة --- واستنفاد هذا المخزون المضر بالبيئة وبالزراعة والمناخ ...

وما كان في ضرورة للخوف لو التزمت الحكومات في لبنان بتنفيذ الخطط والمشاريع يللي بتوعد فيها وبتوضع فيها دراسات --- وعلى سبيل المثال لا الحصر --- وإضافة إلى التأخر في إنشاء السدود نذكر المشاريع الآتية:

1 – تشجير جبل صنين – مشروع أعدّ في وزارة الموارد المائية آنذاك – الطاقة اليوم – سنة 1986 --- وهالمشروع بيأمن عدم تصحير صنين متل ما هوي اليوم --- ويحفظ الثلوج أطول مدة ممكنة --- زيادة خمسة شهور في السنة --- بحيث يُغذي ذوبانها البطيئ الأنهر الجوفية والينابيع ... فتؤمن المياه خلال فصل الشحائح ...

2 – استغلال مياه بحيرة اليمونة الجوفية --- يللي وصفها المرحوم الشيخ موريس الجميل من أنها أكبر البحيرات الجوفية في لبنان – مؤكدا أن مياهها تصل من روسيا ... ويمكن استغلالها لجهة البقاع ولجهة لبنان الشمالي وحتى جبل لبنان === إذا صحَ توصيفها...

3 – تنفيذ شبكة تنقية مياه الصرف الصحي ومحطات تكريرها – وقد ذكرها برنامج الإنماء والإعمار عام 1993-- على أنها من الأولويات – بحيثُ تُستخدم مياهها للري والصناعة --- كما يُستخدم قسمٌ كبير من النفايات الصلبة – لو نفذّت الخطة – أسمدة للزراعة --- وما كانت المطامر تلوّث البيئة ويتظاهر الناس لإقفالها---

4 – تنظيم شبكة صرف مياه الأمطار --- تصويبها نحو بحيرات اصطناعية في الوديان أو عند مصبات الأنهر على شاطئ البحر ...

هيدا محليًا ...ويمكن أيضًا تنفيذ مشاريع إقليمية بمسعى من لبنان – عبر الدول المجاورة ...

وبحسب التوقعات الممكنة لغاية منتصف آذار 2014 --- فإن الأيام الممطرة لن تتعدى خمسة أيام ...وعليه منطلب من الحكومة --- أن تتفاوض مع الحكومة التركية --- باستجرار المياه من خزاناتها وسدودها في ديار بكر ... بالطريقة التي تؤمن بها إلى شطر قبرص التركي --- بواسطة صهاريج خزانات تُجرُّ بحرًا ... أو تستقدم الحكومة معامل لتكرير مياه البحر على غرار معمل توليد الكهرباء ... وفي سرعة ...

المطلوب يقظة لتأمين سياسة مائية في مثل هذه السنة الشحيحة ...
وتنفيذ مشاريع إلى شركات تتقاضى هي الأرباح وتدفع ضرائب ...وليس من أموال القروض أو خزينة الدولة ..


ميشال مرقص 

السبت، 23 مارس 2013

الاقتصادي والسياسي والتوازنات


الاقتصادي والسياسي والتوازنات
بقلم ميشال مرقص

(جريدة النهار 17/11/2006)


الوطن الصغير محكومٌ بالتوازن، إنها مسلّمة تم اختبارها، على الأقل في القرنين الماضيين، فلم تنجح مقوّمات الحياة السياسية والاقتصادية فيه، إلا عندما ينجح اختبار تحقيق التوازن، ليس فقط بين أبنائه وطوائفه، بل وأيضًا بين مجموعة الدول العالمية التي ترعى هذه الطوائف، وتتداخل مصالحها في إدارة شؤون دول العالم، منذ عصر الإمبراطوريات والتوسّع الاستعماري، إلى عصر العولمة والمؤسسات الاقتصادية المتعدّدة الجنسيات. ومنذ أرسى ميثاق 1943 التوازن السياسي والطائفي في تاريخ الوطن المعاصر، صار إحداث الخلل في هذا الميثاق، عنوانًا للصراع السياسي في انتظار تحقيق معايير جديدة لهذا التوازن. سياسيًا حدث الخلل مع صعود نجم الرئيس عبد الناصر، ومع توسّع نشاط المقاومة الفلسطينية أيام زعيمها ياسر عرفات، وأيام الوصاية السورية التي انقلبت إلى احتلال، وبعد نهايتها. وكان يحصل خللٌ دائم على صعيد الفرز الانتخابي منذ عهد بشاره الخوري إلى عهد إميل لحود، فتعدّد القوانين وصياغتها على قياس القوى الفاعلة وعدم ثباتها من دورةٍ إلى ثانية، جعلها أداةَ هدمٍ للنظام السياسي وأداةَ تدخلٍّ خارجي لمساندة الفرقاء المغلوب على أمرهم.

وصاحبَ الاضطرابَ في التوازن، خللٌ آخر على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. فاستئثار المدن الرئيسية بالإنفاق الحكومي، لا سيّما على صعيد توفير البنية التحتية وإنشاء المدارس والمستشفيات وتوفير فرص العمل في الإدارة العامة العسكرية والمدنية، والتغاضي عن إنماء الأرياف وتعميم الإنماء المتوازن والمستدام، أحدث الخلل الديموغرافي عن طريق النزوح الكثيف من الأطراف إلى العاصمة بيروت وإلى المدن الأخرى، فنمت الضواحي في شكلٍ فوضوي وتوسّع البؤس في المجمّعات السكانية في زنّّارٍ لفّ بيروت وجعلها في قبضة سكّان المخيمات تستنزف طاقتها الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية.

والخلل في توازن التنمية فرّخ حركات التمرّد  إذ عزّز موقع الأحزاب اليسارية الطامحة والطامعة في تقويض المؤسسات الحاكمة، أي في تعميق الخلل الضارب في التوازن السياسي الهش. كما نشأت حركاتٌ تحارب الفقر مثل حركة المحرومين التي انتظمت في حركة أمل، نظرًا للحرمان الكبير الذي عانى منه الجنوب والجنوبيون. وانتشار الفقر يؤهّل إلى الفساد وإلى تجاوز أحكام القوانين على صعيد توفير الخدمات المعيشية وتقديمات الرعاية الاجتماعية، فتضطرب موازين العدالة الاجتماعية ومعايير الإنتاجية في القطاعين العام والخاص، كما يستشري الفساد في الجسم الإداري، بحسب ما توًصل إليه مؤشر مدركات الفساد لسنة 2006، إذ ربطت نتائجُه، تنامي حجم الفساد بتوسّع بيكار الفقر والفقراء. غير أن مصدر الفساد في لبنان هم الأغنياء وأصحاب النفوذ وليس الفقراء.

الوطنُ الصغير يعيش منذ أكثر من ربع قرنٍ في حالٍ من عدم التوازن. ما اعتقده أنّه توازنًا كان بفعل القوّة العسكرية الحاكمة، التي استظلّ فيء هينمتها، فريقٌ كبيرٌ من أبنائه، فتحكمّوا بالآخرين. وإذ تغيّرت معايير التوازن واختلفت قياسات جهات المضلّعات السياسية في التركيبة اللبنانية،  فذلك لا يعني أن إمكانات الاستمرار باتت متوفّرة بفعل الأمر الواقع، أو بفعل أمر السياسات الدولية. فإلى حينٍ، لم يكن يحكم التوافق غير الدول العالمية، أمّا اليوم فأضيفت دولٌ إقليمية لها تأثيرٌ ولا يمكن أن يتجاهله الحكماء في جمهورية الوطن الصغير. فانتصارُ هذا الوطن يتوقّف على مدى قدرة الجميع تجاوزَ الوفاقات الدولية والإقليمية ونجاحهم في نسج عباءة الوفاق الداخلي، أي العودة إلى توازن 1943 " لا شرق ولا غرب" مع قبول التعديلات التي فرضها الانحراف السياسي أو التعديل الديموغرافي.

وإذا كان الوطنُ محكومٌ بتحقيق التوازن السياسي، فالاقتصاد محكومٌ أيضًا به. إنّه ناتج السياسيّ، ولا أمل أن يقوى اقتصادٌ ويزدهر ويحقق الرفاه إلا بهذا التوافق السيّد لتحقيق التوازن. في إسرائيل اليوم، تنبئ المؤشرات الاقتصادية عن تخطيها نتائج الحرب التي شنّتها على لبنان وعجز الذي أقلق المجتمع الصهيوني، إلى جانب الفساد المستشري في الإدارة ومن وجوهه رئيس الجمهورية. ورغم أن ناتجها الداخلي سيتأثر بحوالي 1.5 نقطة أساسية سلبًا فيتراجع عن 5.5 إلى 4 في المئة في 2006، فإن حركة الاستثمار جعلت آثار الحرب والمخاوف منها، وراءها. هاولت بايكر الشركة الصانعة لبرمجيات وتجهيزات المعلوماتية اشترت مؤخّرًا، أسهمًا بقيمة 4.5 مليار دولار في شركة ميركوري الإسرائيلية العاملة في قطاع التكنولوجيا الرفيعة.

 أما في الوطن الصغير فيعلنُ وزير المال، أن عجز موازنة 2006 سوف يزيد، وأن خدمّة الدين لوحدها سترتفع من 3900 مليار ليرة إلى 4653 مليار ليرة، وأن الدين العام سيتجاوز 40 مليار دولار أميركي. وهو يضمّ صوته إلى صوت الفعاليات الاقتصادية، يرجو الأقطاب الممسكين بصمّامات الأمان السياسي أن يحكموا ضبطها ويريحوا المواطنين مما هم فيه: القلق، اليأس، القرف، انعدام الثقة، الفقر، الإفلاس، الإحباط والهروب من هذا المناخ الأسود الذي لا تنيره البصائر والقلوب ولا حتى تخصيص مبلغ 1200 مليار ليرة إلى مؤسسة كهرباء لبنان من أصل 1849 مليارًا خصّها مشروع موازنة 2006 للاستثمار، أي لتفعيل الاقتصاد وتعزيز الإنفاق العام على المشاريع التي تفعّل من النشاط الاقتصادي. علمًا أن موازنة 2006 كان يجب أن يكون مجلس النواب قد أقرّها في دورته العادية الثانية من 2005 ولا تتضمن آثار حربٍ حصلت في النصف الثاني من 2006!

إنّه الوطن الصغير، يُستنزف في قدراته البشرية والاقتصادية وفي إمكاناته على العطاء والابتكار. لقد تمّ تسميم المناخ والهواء الذي يتنفّسه الناس المتشوقون إلى اطمئنانٍ بعد تكاثر الأحداث الأمنية الاختراقية والرسائل الممهورة بتوقيع القاعدة والتهويل الشارعي الذي يغرق البلاد "بحق التعبير" و"شرعية التظاهر" و"التظاهر المضاد" بما يهدم آخر مدماك في صرح الثقة. إذ لا يكفي أن يطمئن المتواجهون المواطنين، بل يجب أن يطمئنّ المستثمرون من سلوكيات هؤلاء، سواء الاستئثارية أو الترهيبية، فالجميع يعرف قدرة كلّ فريق على تجييش جمهرة الناس وعلى إتاحة مجال تسلل المخرّبين. والجميع يعرف أن الشعارات التي أطلقها ويطلقها تتهاوى في مزابل التاريخ  أمام حقائق المجريات.

ليس المجال مجال تهديد الثقة بالاقتصاد ولا خلخلة ثقة المستثمرين ولا أمن السياح الذين يقصدون في عطلة الأعياد حتى ولو انحصر عددهم بأبناء الوطن من حملة جنسيات الدول التي احتضنتهم. فالمجال هو مجال إعادة لعبة التوازن الداخلي بين الأفرقاء المتصارعين، بعيدًا عن الضغوط العالمية والإقليمية قدر المستطاع. وإعادة التوازن إلى الاقتصاد وتحقيق هذا التوازن باستمرارٍ في إنماء المناطق كافّة. ولا يكفي أن ينصّ مشروع موازنة 2006 على إلغاء صندوقي المهجّرين ومجلس الجنوب. بل يجب إلغاء أسباب وجودهما بترصيد المساعدات والهبات، في وقت زاد عدد المهجّرين وتضاعفت حاجة الجنوبيين والجنوب إلى المساعدة.

في شباط 2007، تطرح شركة لا فارج الفرنسية في الأسواق المحلية، نوعًا جديدًا من الاسمنت من دون غبار. إنّه أكثر ليونة وقليل الاستهلاك للمياه ولكّنه أكثر صلابةً ومرونة. وإذ يشير النبأ إلى مدى اهتمام دول العامل المتقدّم بالابتكارات وإنفاق ملايين الدولارات أو المليارات على الأبحاث، في حين ننفقها على التكاذب المحلي عبر وسائط الإعلام، نأمل أن يجمع  المتخاصمين مثل هذا الإسمنت الأكثر صلابة، ليرتاح هذا الوطن من عبئهم الضاغط.

ألا يعي الجميع أن خلافاتهم حول "جنس الملائكة" أي جنس المحاور الخارجية والارتباط بها، مباشرةً وغير مباشرة،يدفع ثمنه غاليًا اقتصاد الوطن ودخلُ أبنائه ومؤسساته الهاوية نحو الإفلاس وصندوق خزينته العامة!

إلى متى هذا الاستهتار؟!

الثلاثاء، 16 أكتوبر 2012

"النهار": عيب ...كتير عيب


"النهار": عيب ...كتير عيب


النهار – يعني جريدة النهار البيروتية – التي قيلَ فيها يومًا إنّها "صرح الديموقرطية" – تمحو من موقعها الإلكتروني – مواقع أو زوايا زملاء مرّوا فيها لعقود – وحرموا القرّاء في متصفّح غوغل من إبداعات ادبية واجتماعية وسياسية واقتصادية ...
قال ديموقراطية قال... ويخافون من أقلامٍ حُرّة استُشهِدَ في سبيلها منْ استُشهد ... يا حرام.
حُذف موقعي الإقتصادي من جريدة النهار – وكان يضم أكثر من 600 مقال في الإقتصاد والإجتماع ضمنته كتابين: "لن يبقى غير الكلام" – والإقتصاد في مسرح الإغتيال" ... وأسعى إلى إعادة نشر المقالات في متصفّح غوغل...

ميشال مرقص

الجمعة، 22 يونيو 2012

أوراق ثبوتية للاقتصاد اللبناني


أوراق ثبوتية للاقتصاد اللبناني

بقلم ميشال مرقص

النهار 23 تشرين الأول 2006
نادرة هي الخطب السياسية ذات الطابع الحزبي، التي تحمل في صفحاتها بذور المنهجية الاقتصادية والاجتماعية، الى جانب المنهجية السياسية العامة. لذا لا يمكن تجاوز خطاب الرئيس النائب ميشال عون، (15 تشرين الاول 2006) وما تضمن من مفردات اقتصادية واجتماعية، لا تدخل اذن السامع الا نادرا. فالعماد الذي ثبّت استحالة "ان تبنى دولة تقوم على الفساد والرشوة"، رسخ الأسس، التي يمكن لهذه الدولة ان ترسي عليها دعائمها، وتتبلور في اعادة الاعتبار الى الخدمة العامة، "ورفع مستوى جودتها وتحديثها، وعدم تسييس الادارة". واهم من ذلك كله، تحييد المال العام بفصله عن السلطة، "ليتحول المال اقتصاداً منتجاً ولتتحول السلطة دولة عادلة". هذه المسلمات هي المدخل السليم لتعزيز افق الاقتصاد فيكون اقتصاد تنمية واقتصاد عدالة واقتصاد دراية وتحسّب.في المفردات الاقتصادية لخطاب العماد عون، صوغ جوهري لسياق احياء الاقتصاد المنتج المتعلق بتفاعل الحياة المجتمعية ودورتها، والمبني على تزاوج بين النشاط البشري واستثمار المال والثروة. فلن يتمكن اقتصاد التنمية من دون الاخذ بالتكنولوجيا الحديثة وتعميمها لتعزيز قدرات الانتاج بخفض التكلفة وتحسين النوعية وتقوية الميزة التفاضلية، يتبعها حتما تعزيز القدرات التسويقية. لكن معيار اقتصاد العدالة لن يتحقق الا بالتوازن بين الاعباء والفرص للمواطنين جميعا. فالشق الاول من النهوض بالاقتصاد، وفق الخطاب، يرقى بالمستوى التقليدي للتوصيف الى المستوى الانساني حيث الابتكار والعطاء يتمثلان في تحسين جودة الانتاج وتسويقه، فيحقق قيمة مضافة عالية، وحيث للانسان حق الانصاف فلا تتوجب عليه الضرائب من دون ان تتساوى حظوظه مع مواطنين آخرين خدمتهم السياسية والمحاصصة، وقد لا يكونون التزموا بواجباتهم الضريبية.وفي كلام العماد عون، بحث عن هوية للاقتصاد الوطني، باعادة لملمة الاوراق الثبوتية وتكوين ملفاته الجديدة تمهيدا لادخالها بوابة العولمة. هذه الدعوة قد لا تكون جديدة، ولكن جدتها تتجلى في المفردات الاقتصادية التي فرقت بين اقتصاد التنمية واقتصاد العدالة بلوغا الى اقتصاد الدراية. فالبيانات الوزارية في مجملها تطلعت صوب تحقيق اقتصاد انتاجي، وخصوصا بعدما استفحل الاقتصاد الريعي نتيجة التوسع في الاكتتاب بسندات الخزينة ذات معدلات الفوائد المرتفعة، فصار الاكتتاب فيها، بعد سنوات، من اجل تغطية كلفتها وليس من اجل تحقيق اعادة الاعمار. ولما تقلصت قدرة المصارف المحلية على رفد الخزينة بالمال، تحولت الحكومة الى الاسواق الخارجية، وتلتها بعمليات "سواب" او بمؤتمرات دولية تساعدها على استبدال دين بآخر، وهي سائرة الى مؤتمر دولي جديد. ورغم السياسة اللولبية التي تتبعها الحكومات، في التخطيط المالي للنفقات والواردات، فقد تخطى الدين العام اربعين مليار دولار وانهك الموازنة العامة كلفة تراكمية بلغت حدود الـ32 مليار دولار اميركي دفعت كاملة او اضيفت الى الدين. لذا بقي كلام البيانات الوزارية، مثل قصص الف ليلة وليلة، مزوّق العبارة قليل الانتاجية، يرضي العامة، ويثير فريقا من الخاصة. ولا يقل عنه تنميقا الاستطراد الدخيل في تلك البيانات حول وقف اهدار الاموال العامة وحول تحسين اداء الادارة العامة وحول التحقيق في ملفات الفساد وحول خصخصة مرافق عامة للتخلص من اعباء الدين العام.لقد اضاعت الحكومات المتعاقبة، منذ بداية تسعينات القرن العشرين، فرصا ثمينة جدا وافلت زمام الحكم من يدها، ولم تستطع ضبط المسار السياسي ولا المسار الاقتصادي والاجتماعي ولا حتى الامني. ولا يمكن، حتى الآن، ان تفخر حكومة بانجازات لها في هذا المجال، ليس من ناحية بناء المنشآت والمؤسسات، بل لناحية تفعيل عمل هذه المؤسسات. وهي اذا كانت نجحت في تأمين التعليم الرسمي المجاني وبناء مستشفيات حكومية، فان انتاجية هذه المؤسسات ليست كافية، ولا هي استطاعت ان تنقذ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي او توفر المال الكافي للمهجرين وتوقف الطمع في قسم كبير منه. ورغم انفاق الاموال، بمبالغ طائلة على شبكات الطرق وشبكات الهاتف والمياه والكهرباء، فان قسما كبيرا مما نفذ ليس بالمستوى الفني او المستوى التقني العالمي، او حتى بالمستوى الاقتصادي العادي. فكلفة البنية التحتية جاءت مثقلة بالاهدار وبالسرقة المباشرة او بتزوير المواصفات. كما ان البيانات الحكومية التي بشرت بالاهتمام في الشأن الاجتماعي قصرت عن الوفاء ببشارتها، وهي ساهمت بالمساعدات على مستوى الهوى السياسي والتعامل المحاصصي، وهذا الاهمال هو الذي لفت رئيس تكتل التغيير والاصلاح النيابي العماد عون، الى الحديث عن اقتصاد الدراية.
فاقتصاد الدراية لم يتمثل جيدا الا على صعيد احتياط مصرف لبنان بالنقد الاجنبي والذهب. وكانت حكمة نقدية ان يتعزز احتياط المصرف المركزي ما ساعد في استقرار النقد الوطني فحافظ سعر الليرة على استقرار طويل الامد، خصوصا في جبه الازمات، ما حفظ مدخرات اللبنانيين الى حد ما، رغم ما قيل عن الثمن الكبير الذي دفع في تثبيت هذا السعر. ان الهم الاساس لاقتصاد الدراية والتحسب يكمن، وفق الخطاب، في "الحرص على الا تُستهلك اليوم مقدرات الغد والا تُلقى على الغد تبعات الماضي من دون حساب. ومن متطلباته ادارة واعية ومسؤولة للاعباء والاخطار المالية، بالاعتماد على مقدرات اللبنانيين، وعلى دعم الدول الصديقة والمؤسسات المالية الدولية. وهمه ايضا دعم المؤسسات التي تعبر عن التكافل الاجتماعي، ولا سيما الصحية منها، وضمان الشيخوخة والتعليم، والسهر على حماية مدخرات اللبنانيين من اي مخطار او تعديات. وكذلك حماية مقومات البيئة الطبيعية والثقافية للبنان، كما وتعزيز العلاقات بالمغتربين اللبنانيين عبر تأطير طاقاتهم الفكرية والاقتصادية لتعزيز مواقعهم وافادة لبنان منها".صحيح ان كلام العماد عون يصب في بحيرة ما تقول به الحكومة، وما قالت به الحكومات، وما صرح به رؤساؤها ووزراؤها الى رئاسة الجمهورية. لكنه رافد غزير وواسع وذو منهجية مترابطة ضمن الاطار السياسي. فالمشكلة ليست في القول، بل في التنفيذ، وليست بتبني الاعمال الحكومية الروتينية، على انها اعمال بطولية، فهي تصب في اتجاهات رياح الانفاق المتعاكسة، وتنضب جدواها عندما تسطع الحقائق في مهجر الحساب. يجب ان يلمس المواطنون جميعا جدية الحكومة في العمل، شفافيتها في برمجة سعيها لتحقيق اقتصاد الانماء المتوازن المشلوح على رصيف اتفاق الطائف منذ 16 عاما، او اقتصاد العدالة وقد سقطت كفتا الميزان وبقيت العدالة الاقتصادية عمياء، او اقتصاد الدراية والتحسب، علما ان احتياط الموازنة ذاب في اتون الانفاق الهستيري. كيف يمكن للحكومة ان توازن طروحاتها بما هو جدي، وهي ساهمت في تهجير اكثر من ثلثي القوة العاملة اللبنانية، اما بسبب العجز في ايجاد فرص العمل، او بسبب الاضطهاد السياسي، او بسبب تشليع العمل الاداري الذي صار مبنيا على المحاصصة والوساطة السياسية وليس على الكفاية والجدارة ونظافة الكف. وكيف يمكن لحكومة ان تعلق وسام استحقاق نتيجة جهودها، وهي تعلم ان ما تم تنفيذه في الاعوام الست عشرة الماضية لم يكن في مستوى الكلفة الباهظة التي دفعها الوطن الصغير.ليس المهم ان تتلاقى الافكار والبرامج والاسس في الخطب والبيانات والمناسبات وكلام الصالونات. الاهم ان يتلاقى، من اطلقها، على سبيل واحد لتنفيذها. فالعماد عون واحدٌ ابرز الخلل ووضع التصويب السليم له. قبله، وفي برنامجه لرئاسة الجمهورية تناول النائب الشيخ بطرس حرب الشأن الاقتصادي والاجتماعي، وكان لقاء قرنة شهوان تذكير دائم بسقطات الحكومات وتقصيرها وانحيازها الى مؤيديها من دون المعارضين، كما تخطو في سياقها الحالي. لكن اما آن تاريخ نفض الحزبيات الضيقة وتهديم الجدران العازلة بين الافرقاء اللبنانيين والبحث عن الاوراق الثبوتية، ليس للهوية السياسية فحسب، بل للهوية الاقتصادية والاجتماعية، والسعي الى الانصهار وتوحيد سبل المعالجة لاوضاع هذا الوطن؟

الثلاثاء، 19 يونيو 2012

قيادة أخلاقية لإنقاذ البلاد

قيادة أخلاقية لإنقاذ البلاد
ميشال مرقص

في 26 حزيران 2007
أي - قبل 5  سنوات

لا يمكنُ إنقاذُ الاقتصادِ الغارقِ في الاستنزافِ، داخلَ الوطن الصغير، ما لمْ يتمُّ إنقاذُ الدولة. الاقتصادُ ليسَ جسما دخيلاً ولا نافرا، ولا هوعضوٌ منفصلٌ عن هيكلِ جسم الدولة، إنّه الرئةُ، وقد أعطبها حالُ السموم المنبعثةِ من جوِّ السياسة الخانق ولزوجةُ الوضع الأمني، المهدّد مثلَ سيف ديموقليس، فوق الرؤوس. ومع انهيار أسس الدولة، لا أحد، ممن يُظَنُ أنّه مسؤولٌ، يتعاطى بأخلاقيةً عالية ومترفعة، ومنزّهة عن الغايات، من أجل إنقاذ الوطن. والتنزّه عن الغايات، لا يعني فقط، نظافةَ الكفِّ، إذا وجدتْ، وقد عزّتْ كثيرا، بل نظافةَ المسؤول من كلِّ الأهواء التي تتقدم على انتمائه الوطني، مهما اعتبرتْ بعضُ الأهواء سامية، كالأهواء الطائفية والمذهبية. وهذان التنزّه والترفّع عن الصغائر والكبائر، لم يعودا مدرجين في قاموس أخلاقياتِ اللبنانيين، بدءا من المتربعين في كراسي الحكم وفي صفوف الذين خارجه. فلا الناس، ولا المؤسساتُ ولا مقومات الاقتصاد أو الاجتماع، باتت قادرةً على الاستمرار، في ظلِّ عدم المبالاة بالمصلحة الوطنية العامة، كأنّ أيّ "زعيمٍ" صارت أطرافه أوسع من أطراف الوطن.لقد تركت أحداثُ ربيع 2007، بصماتها على جسد الوطن الصغير. في عاصمته ومدنه وبلداته، رعبٌ من متفجّراتٍ ممكنة، ومن اغتيالات ظُنَّ أن الأحقادَ الدافعة إليها قد شُفيت، لكنها مثل الجربِ تختفي ثم تعود. الأسلاكُ الشائكةُ وسط العاصمة وفي المنطقة الخضراء، وإقفال شرايين النقلِ الرئيسية، ووضع الشرائط الصفراء والحمراء على جانبي الطرق، ورصف بلوكات الباطون، وتعزيز دور مواقف السيّارات الخاصّة، والإشراف على أمنها من شركاتٍ متخصّصة، كلُّ هذه الظواهر، تُنبئ بكساحِ الحالِ في الوطنِ الصغير. فالرعبُ والحذرُ يجاورانِ المتنقلين بين هذه الأقنية الضيّقة، والشوارع التي صارت أزقّة. وحدها الشركاتُ الخاصّة للحفاظ على الأمن، ومواقف السيارات الخاصة ازدهرت أعمالها، وتحسّنت عائداتها. الشركات الأمنية باتت غيرُ قادرةٍ على تلبية الطلبات، عديدها يزداد، وصارت تُشكّلُ أكبر ميليشيا في البلد.وسط هذا الضجيج الهائلِ من الشحنِ السياسي والأمني، المتمادي عميقا في النفوس، صار سلوكُ الناسِ قدريًا. والمؤسسات تعوي من شحِ نشاطها، والقرفُ نصبَ مضارب خيمه وأقامَ في القلوب والأفكار واللعناتُ لا تقوّمُ التواء الخط السياسي. رغمَ ذلكَ كلّه، يبرزُ إلى الواجهة عمقُ الخلافات الاقتصادية، بين مسؤولين سياسيين، ومواقع في الفاعليات الاقتصادية، البعضُ يهمّشُ الصناعة، والبعضُ يعتبرُ الزراعة عبئا، وآخرونَ لا يرون في التجارة فائدةً لايجاد فرص العملِ المرجوّة، وتتناقضُ المواقفُ في ظاهرةٍ للتفلُتٍ من إطارِ الرؤيا الاقتصادية الواحدة. فلا يمكن لمسؤول أن يُنكرَ حقَّ قطاعٍ من نشاطاتِ الاقتصادية في طلب المساعدة أو المساندة وسطَ هذه الظروف الدرامية المتسلسلة مدى الأعوام الثلاثة الأخيرة، من دون تشكيل فرصٍ للاستراحة واستلحاق النفس. وأيُّ نشاطٍ اقتصادي يتمّم النشاط الآخر، فلا يُمكن أن ينشطَ قطاعٌ تجاريٌّ وينمو وهو يسوّقُ لنشاطٍ صناعي غريب. عندما نشطت الصناعةُ الوطنية قبل بداية الحرب اللبنانية - اللبنانية، كانت تموّن السوق التجاري بنسبة 40 إلى 60 في المئة وتُصدّر بنسبة 40 في المئة من قيمة الاستيراد. اليوم، ومع توسّع النشاط التجاري، وازدياد حجم الاستيراد الاستهلاكي، لم يعد للصناعة في السوق اللبنانية الداخلية، أكثر من 35 في المئة. حتى أن القطاع العام يتبرّمُ مما هو صناعة وطنية، فيتجاوزها في الصفقات العامّة، رغم توافر المواصفاتِ العالمية في الإنتاج المحلّي وضمان جودته. لم تكن الجودة يوما سببا في استبعاد الإنتاج المحلّي، بل الصفقات التي عمّرت جيوب النافذين. وهي لا تشكّل أكثر من 25 في المئة من قيمة سلّة الواردات.في دراسةٍ لنا، مع وزير الصناعة المرحوم جورج افرام، هو الذي كانَ يريد تأمين 50 ألف فرصة عمل صناعية في سنوات قليلة، أن القطاع في 2010، كان يمكن أن يستوعب 350 ألف يد عاملة محلية، إذا توفّرت الشروط الملائمة لتنميته. أول الشروط تحديث المؤسسات الصناعية، الأخذ بإنشاء صناعات قابلة للحياة ولا يوجدُ منها في لبنان، تطوير الإنتاج الصناعي وفق حاجة الأسواق المحلية والخارجية، ترشيد الإنتاج لناحية الكلفة، ومن ثم تحديث التجهيز الصناعي، وإعادة النظر في مساعدة الصناعات المستهلكة للطاقة، والتي لا يمكن استبدالها. وكان السقفُ الأعلى للرسم البياني، يتصاعدُ حتى 500 ألف يد عاملة. وفي الزراعة، وضعت دراساتٌ لتحديث القطاع، وهي لا تزالُ قائمة. المشروع الوطني للمسح الزراعي، وضع هيكلية جديدة، تمّ الاهتمام على صعيد تربية الماشية ومنها الأبقار، وتوسّعت الزراعات العطرية التي يُصدّرُ إنتاجها إلى فرنسا لاستخراج العطور الفرنسية، وكذلك العمل على تطوير الصناعات الخالية من الأسمدة الكيميائية والمبيدات. ودرست سلاسل الزراعات المتشابهة في المناطق، وتطوّرت صناعةُ زيت الزيتون والمشروبات الروحية وغير الروحية، وصناعة الكونسروه والمأكولات، لتوافر المواد الأولية محليًّا.تصحيح القدرة الإنتاجية، تلزمه تضحية سياسية، فاستيعاب اليد العاملة الوطنية، يشكّلُ في ذاته، استراتيجية لبناء الوطن. زيادة اليد العاملة يعني تصحيحٌ لمسار الإنفاق الوطني. النشاط الإنتاجي يزيد فرص العمل في قطاعاتٍ أخرى خدمية أو تجارية. وهذه القوة العاملة تصيرُ، في تكوين قدرتها على الإنفاق، مصدرَ دخلٍ للنشاط التجاري، عدا عن كون هذا الأخير يموّن المؤسسات الإنتاجية بمواد أولية، وبالتجهيزات والمتممات. ومواردُ الأموال توظّفُ في المصارف، وتَستكمل الدورة الاقتصادية انسيابها الطبيعي.الوضعُ السياسي المضطرب، وما يرافقه من خللٍ أمني، أقصى المسؤولين عن الاهتمام بالنشاط الاقتصادي. هم في الأساس يميلون إلى تنظيم قطاع المال، ويستسهلون تأمين الموارد للخزينة. الوضعُ أحدثَ فجوةً كبيرةً، وصارَ أمرُ مساعدة المؤسسات الإنتاجية ملحًا للاستمرار، لكن ليس على حساب الجودة، ولا على حساب النوعية والأثمان. الدراسات المعمّقة تُظهرُ مواقع القوّة ومواقع الخلل والضعف، ولا يجوز إهمال أيُّ قطاع.وما يُخجِلُ، على صعيد المسؤولية، أن يُطبّقَ مجلسُ الوزراء أحكام قانون الإغراقُ، استنسابيًا. في القانون حماية القطاع المنتج، وليس المؤسسة فحسب. لكن ما صدرَ من حمايةً لإحدى المؤسسات، هي في حاجةٍ لها، حرمت منها مؤسسة شبيهة في الإنتاج ذاته، وتحت البند الجمركي نفسه. ورُفض نحو 20 طلبا لمؤسساتٍ ثانية، والإغراقُ في ذاته هجّر مؤسساتٍ إلى الخارج، كانت قد أنشئت حديثًا، وشلّ إنتاجية مؤسساتٍ أخرى واقعد آلاف العمّال عاطلين عن العمل.في هذا الوطن، حيثُ يُبرّر المسؤول تصرفاته، ويزجُّ نفسه مخطئا مع من سبقه في الخطأ، صار لزاما البحثُ عن قيادةٍ أخلاقية، حتى من الخاطئين الذين يتوبون. مستوى الحكمُ المنقذ اليوم هو مستوى الأخلاق. الحاكمُ ذو الصفات الخُلُقية يكونُ مثالاً للآخرين، للرعية، ويؤسس لدولة المؤسسات. لا يُبنى وطنٌ من دون توافر قيادة أخلاقية، ولا ينمو اقتصادٌ ما لم تتوفر الأخلاقية في حوكمة الإدارات، وتنعكس في نوعية النشاط وفي التزام المنتجات أحكام التقييس والجودة. السلطةُ الأخلاقية تستعيدَ ثقةَ الناس بها، تستعيد موّدة الرعية، واحترامَ العالم. لا تعودُ ملزمةً إلا بالوطن وبالمصلحة العامّة، وتنفيذ القانون بلا محاباة. وفي منجم السلطة الأخلاقية تندرُ الدررُ والجواهر، فتصير غالية الثمن!إن خـــلاص الوطن الصغير يبدأ بتوفير سيادة أخلاقية. هي تقودُ إلى استقلالٍ حقيقي، ونموٍّ حقيقي، وازدهارٍ حقيقي، وتخلصُ من التبعية، ومن التماس الخلاص من الخارج حيثُ تضطرب معاييرُ التسويات لحساب المصالح المتنافسة على تطويع هذا الوطن في خانة الاستلحاق التبعي، وتدمير اقتصاده لحســـاب اقتـــصـــاد الآخـــرين، تماماً مثل تدمير قواعد الحكم فيه.